بسم الله وحده والصلاة والسلام على حبيبه وعبده
كنت أتسائل عن بعض الإخوة الصوفية في المشرق عن حلقهم للشارب لمخالفتخم قول النبي صلى الله عليه وسلم "حفوا الشوارب و أعفوا اللحى" والحف هنا ليس الحلق.
وكنت اجزم باطنا أن القوم الذين حذرنا منهم صلى الله عليه وسلم في حذيث ".... سيماهم التحليق.." هم القوم المحلقين لشواربهم وليس المحلقين لرؤوسهم كما ذهب إلى ذالك الكثير، وذلك لأن الرؤوس تغطيها العمائم ولا ترى غرابة في ذالك ولكن الغرابة تراها على وجوه المحلقين لشواربهم لمخالفتهم للفطرة فعند رؤيتك أحدعم تشمئز نفسك من حيث لا تدري، وهذه سمة الوهابية.
لقد جاء في كتاب الغنية لسيدي عبد القادر الجيلاني ص 36 عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهماقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس منا من حلق الشارب" فلم يبق شك أن الحديث المذكور أعلاه يشير إلى الذين يحلقون الشارب ولا الرؤوس.
والله ورسوله أعلم.
وسمي الشارب شاربا لأنه يشرب مع الشارب إذا طال عن حده
لذلك سن الشارع حف الشارب أي تقصيره بحيث يساوي حفة الشفة العليا
أو يقصر عنها بقليل وهذا هو حد الوسط والاعتدال
وديننا دين الوسط فلا إطالة للشارب حتى يصل الى حد يكون بمظهر المجوس
ولا يُحلق بحيث يصير مُثلة
وهذا هو معنى الحديث: أحفوا الشارب
يؤيده ما جاء في الموطأ (2 / 921) عن أبي هريرة رضي الله عنه:
خمس من الفطرة تقليم الأظافر وقص الشارب ونتف الإبط وحلق العانة والاختتان .
وما جاء في البخاري (7 / 206): من الفطرة قص الشارب .
والقص غير الحلق .
قال الحافظ ابن حجر عند شرحه لحديث: أحفوا الشارب (10/334) والمراد به هنا قطع الشعر النابت على الشفة العليا من غير استئصال وكذا قص الظفر أخذ أعلاه من غير استئصال ، فإن المعروف عن عمر أنه كان يوفر شاربه .
قوله: يحفي شاربه بالحاء المهملة والفاء ثلاثيا ورباعيا من الإحفاء أو الحفو والمراد الإزالة ، وأخرج الطبري من طريق عبد الله بن أبي عثمان رأيت ابن عمر يأخذ من شاربه أعلاه وأسفله وهذا يرد تأويل من تأول في أثر بن عمر أن المراد به إزالة ما على طرف الشفة فقط.
قلت: وهذا فيه بيان لمن كان شاربه عريضا بحيث يخرج عن حد المنظر المألوف، فهذا يأخذ من شاربه من الأعلى والأسفل بحيث بكون منظره لطيفا، لأن قص الشارب داخل في باب الزينة، وكل ما كان زينة للرجل فهو المطلوب .
ألا كل شيء ما خلا الله باطل كل ما لا علاقة له بالدين فهو باطل ويمحو الله الباطل ويحق الحق بكلماته ولو كره الكافرون بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون وقال ربنا سبحانه وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا الحياة الدنيا باطلٌ وغرور لا أصل لشيء منها ولا ثبات له ولا اعتداد به ثم قال الله إن يسألكموها يعني أموالكم فيحفكم تبخلوا ما معنى فيحفكم كثيرٌ من عوام المسلمين يقرأ ون القرآن ختماً ختماً ثم لا يعرفون غريب القرآن ولا يعرفون معناه اللغوي ولابد لكل من قرأ آية أن يعرف معاني الكلمات فيها بالرجوع إلى التفسير المعتمد أو إلى علماء الأمة ما معنى فيحفكم إن يسألكموها فيحفكم أي يجهدكم ويلحف عليكم بمسألة جميعها لو أن الله سبحانه سألكم جميع أموالكم تبخلوا ويخرج أضغانكم لأن البخل مرض نفسي وأحضرت الأنفس الشح ولا يتخلص منه إلا خالص المؤمنين فيحفكم يقال في اللغة أحفى بالمسألة وألحف وألح كله بمعنى واحد فيحفكم ومنه الاستئصال قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى أحفوا استئصال حتى لا يبقى من الشارب شيء وهو معنى الحلق وهو القول الراجح لدى فقهاء السلف من الحنفية والشافعية وأنتم ترون علماء المذهبين إلى زمننا اليوم كيف يحلقون الشوارب ولا يبقون منها شيء لقول الحبيب المصطفى اللهم صل عليه أحفوا الشوارب ثم قال وأعفوا اللحى إلى حد القبضة كان النبي عليه الصلاة والسلام يأخذ من طولها ومن عرضها وكان يفعل ذلك ابن عمر رضي الله عنهما اقتداءاً بالنبي اللهم صل عليه يقبض قبضة ويأخذ ما زاد عليها أما أولئك الذين ظهروا في زمننا اليوم من أصحاب اللحى الطويلة العريضة غير المهذبة والتي تنافي سماحة هذا الدين وأخلاقه سيدنا رسول الله اللهم صل عليه أمر أن يتطهر الإنسان ويتطيب وأن يأخذ من شعره ومن ظفره حتى يكون كأنه شامة في الناس فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش تلك الهيئات التي صارت سخرية واستهزاءاً ومنفرة عن دين الله سبحانه لكل من يراها من عوام المسلمين عليهم أن يهذبوها وأن يظهروا بمظهر الأناقة وكأنهم شامة في الناس وأن يأخذوا قبضة وأن يقبضوا قبضة ويقصوا ما سوى ذلك أحفوا الشوارب وأعفوا عن اللحى مظهر إسلامي وهيئة إسلامية ميز بها المسلمون عن غيرهم كانت الأمم السابقة بعضهم يطيل شاربيه ويحلق لحيته وبعضهم كان يحلق شاربه ولحيته وكان بعضهم يطيل شاربه ولحيته جاء الإسلام بصورة أخرى تميز المسلمين عن غيرهم أحفوا الشوارب وأعفوا عن اللحى لذلك في الحديث من لم يأخذ من شاربه فليس منا ليس مني ليس على طريقتنا ولا على هدينا وليس موافقاً للشرع وربما لا تدركه شفاعة الحبيب المصطفى اللهم صل عليه بعض الناس اليوم من الذين يتشبهون بغير المسلمين يطيل شاربه حتى يغطي شفته العليا قلت لكم الحنفية والشافعية على الاستئصال الكلي حلق كلي بالشفرة بالموس حتى لا يبقى من الشارب شيء المالكية فقط رحمهم الله قالوا الشارب لا يحلق وإنما يقص يقص قصاً تبدوا معه حافة الشفة العليا طرف الشفة العليا لازم يكون ظاهر بيّن حتى لا يختلط الشارب بطعام الإنسان وشرابه وإذا غطى الشارب حافة الشفة العليا ارتكب الإنسان محرماً وأثم في ذلك ورسول الله يقول اللهم صل عليه من لم يأخذ من شاربه فليس منا ليس على طريقتنا مازال بعض الناس إلى اليوم يعتمدون هيئات الآباء والأجداد بالتوارث والتقليد مادام مخالف للشرع علينا أن نخالف أهوائنا في ذلك نعمل مثل هذا الزكرتي الذي أيام زمان جاء إلى شيخنا شيخ مشايخ الشام أبي الخير الميداني رحمه الله واحد ازكرتي عمره سبعين سنة دخل إلى درس الشيخ وكان ما شاء الله عليه عامل شاربين طويلين يوقف عليهم النسر كما يقال فات لعند الشيخ والشيخ يقرأ درس في الحديث قلوا يا سيدي الشيخ بدك تقرأ اليوم الدرس على كيفي أله طيب على كيفك شلون بدك قال له سكر الكتاب افتح هون فتح سبحان الله اتفق أن الموضع الذي فتح له الشيخ فيه حديث النبي اللهم صل عليه احفوا الشارب وأعفوا عن اللحى هذا الزكرتي فوجئ قال له سيدنا محمد هيك بقول قال له نعم قال له أعد الحديث أعاد له مرتين وأربع قال سمعاً وطاعة لسيدنا محمد أمر سيدنا محمد على رأسي خرج الرجل من درس الشيخ إلى الحلاق قال له أبو فلان قيم هل الشوارب وعلملي على اللحية قال له خير أبو فلان شو صايرلك صرلك سبعين سنة على اللهيئة قال له ما بتعرف أن سيدنا محمد هيك بقول رسول الله هي قال أحفوا الشوارب وأعفوا عن اللحى سمعاً وطاعة لسيدنا محمد حلق الحلاق شاربي الرجل وعلم له عن اللحية بعد ثلاثة أيام توفي هذا الرجل رآه الشيخ في المنام قال ماذا فعل الله بك قال غفر لي ذنوب سبعين سنة لأني خالفت نفسي وأطعت محمد اللهم صل عليه مخالفة للنفس وطاعة لسيدنا رسول الله خصلة من خصال الإيمان موقف من المواقف يثبت فيها الإنسان أنه يحب سيدنا محمد بامتثال أمره والسمع والطاعة له هذا الإحفاء الإحفاء الاستئصال ومنه قوله تعالى إن يسألكموها يعني الأموال فيحفكم يستأصلها كلها تبخلوا ويخرج أضغانكم حقيقة من الحقائق القرآنية مشهودة ومعلومة لنا في أنفسنا في البخل الذي جبلت عليه النفوس إلا فيمن زكى الله نفوسهم من المؤمنين فإنهم باعوا أنفسهم وأموالهم لله إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة اللهم اجعلنا منهم ومعهم يا رب العالمين اللهم وفقنا إلى مخالفة نفوسنا وأهوائنا اللهم اجعلنا من المجاهدين لأنفسنا في سبيلك اللهم ارزقنا الاستقامة على دينك ووفقنا لإحياء سنن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم والعمل بهديه أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه فيا فوز المستغفرين. اضغط هنا
منقول من خطب الشيخ عبد الهادي الخرسة حفظه الله تعالى
هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يحلق شاربه أم يقصّه
متى وردت من طريق صحيح رواية القصّ كما وردت رواية الحفّ فيؤخذ الحفّ على معنى القصّ ولا يؤخذ على معنى الحلق
العبد الضعيف لا يتّهم فقه المذاهب حاشا وكلاّ رضي الله عن ساداتنا وأئمّة ديننا ولكن عندما قلت : هذا رأيي , أقصد ما أراه راجحا عندي وليس من منطلق كوني مالكيا رغم أنّ الضعيف درس مذهب الإمام الشافعي ويبسمل في كلّ فاتحة جهرية لقول ساداتنا العارفين بذلك وكذلك يقول بالقبض في الصلاة كما عليه ساداتنا من العارفين من أهل المغرب العربي من الشاذلية
وكذلك رأيناهم يقصّون شواربهم ليس لكونهم مالكية ... ولكن لكونهم رجّحوا رواية الحفّ على أنّها بمعنى القصّ وبهذا قال أئمّة كبار ومحدّثين أجلاّء فليس هو برأي لي وإنّما قصدت الراجح عندي , وكلمة ( أميل إلى رأي كذا أو كذا هي كلمة فقهية يراد بها الراجح عندي لمن عرف مصطلحات الفقه
العبد الفقير لا يتعصّب لرأي فليس الإسلام بدين تعصّب وليس فعلي أو فعل شيوخي أو فعل إمامي في الفقه بحجّة على النصف الآخر من الأئمّة أو الشيوخ حتى نتعصّب لما نحن فيه
نعم العبد الفقير يرى أنّ حفّ الشارب هو قلّة ذوق وأتفهّم من فعل ذلك بأنّه إقتدى بإمامه في ذلك فلا حرج عليه وهو مأجور إن شاء الله
وسؤالي : من منكم أو من مشائخكم رأى رسول الله صلى الله عليه وسلّم في منامه أو يقظة وهو حالق شاربه ؟؟؟؟
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
فقد رأيت تخليطا من الإخوة في ذكر حكم المذاهب لحلق الشارب، وخاصة مذهب سادتنا الحنفية.
فالأصل في من لا اطلاع له على أقوال أئمتنا ونصوصهم أن يتوقف عن المشاركة بغير علم؛ حتى لا ينسب إليهم ما لم يقولوه ويعتمدوه.
فحبذا لمن أراد أن ينقل رأي مذهب أن ينقل نصوصهم المعتمدة في المسألة، ولا يركن إلى فهمه وتخليطه وذاكرته؛ حتى يطمئن القارىء لما ينقل عنهم.
وسيدي راشد: أنت مطالب أن تحقق المسألة عند سادتنا الحنفية، لترى هل وافقتهم أم خالفتهم في رأيك الذي ذكرت ونسبت لهم.
ودمتم بخير وعافية.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
فقد رأيت تخليطا من الإخوة في ذكر حكم المذاهب لحلق الشارب، وخاصة مذهب سادتنا الحنفية.
فالأصل في من لا اطلاع له على أقوال أئمتنا ونصوصهم أن يتوقف عن المشاركة بغير علم؛ حتى لا ينسب إليهم ما لم يقولوه ويعتمدوه.
فحبذا لمن أراد أن ينقل رأي مذهب أن ينقل نصوصهم المعتمدة في المسألة، ولا يركن إلى فهمه وتخليطه وذاكرته؛ حتى يطمئن القارىء لما ينقل عنهم.
وسيدي راشد: أنت مطالب أن تحقق المسألة عند سادتنا الحنفية، لترى هل وافقتهم أم خالفتهم في رأيك الذي ذكرت ونسبت لهم.
ودمتم بخير وعافية.
هل تخاطب راشد أم الشيخ عبد الهادي الخرسة لأن الاثنان قالوا بأن السادة الأحناف قالوا بحلق الشارب!؟
ونرجو منك يا أستاذ لؤي أن تنقل أنت ما خالف به الشيخ والسيد راشد السادة الأحناف
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قال الدكتور وهبة الزحيلي في «الفقه الإسلامي وأدلته» 1/405 :
وقص الشارب: هو سنة بالاتفاق.
والقاص مخير بين أن يتولى ذلك بنفسه، أو يوليه غيره، لحصول المقصود، بخلاف الإبط والعانة.
والمراد به عند الشافعية والمالكية: التقصير بأن يؤخذ من الشارب حتى يبدو أطراف الشفة، وهو معنى الحديث «احْفُوا الشوارب وأرْخوا اللحى، خالفوا المجوس»، أو «جزوا الشوارب» .
ويراد به عند الحنفية: الاستئصال، لظاهر الحديث السابق: «احفوا وانهَكُوا» .
ويخير عند الحنابلة بين القص والإحفاء، والحف أولى نصاً.
ا.هـ.
قلت: أخرج البخاري في «صحيحه»: عن ابن عمر «انهكوا الشوارب وأعفوا اللحى».
قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري»:
قوله: «وقص الشارب» تقدم القول في القص أول الباب.
وأما الشارب فهو الشعر النابت على الشفة العليا، واختلف في جانبيه ـ وهما السبالان ـ فقيل: هما من الشارب ويشرع قصهما معه، وقيل: هما من جملة شعر اللحية.
وأما القص فهو الذي في أكثر الأحاديث كما هنا، وفي حديث عائشة، وحديث أنس كذلك كلاهما عند مسلم.
وكذا حديث حنظلة عن ابن عمر في أول الباب.
وورد الخبر بلفظ «الحلق»، وهي رواية النسائي عن محمد بن عبد الله بن يزيد، عن سفيان بن عيينة بسندِ هذا الباب.
ورواه جمهور أصحاب بن عيينة بلفظ «القص»، وكذا سائر الروايات عن شيخه الزهري.
ووقع عند النسائي من طريق سعيد المقبري، عن أبي هريرة بلفظ «تقصير الشارب».
نعم وقع الأمر بما يشعر بأن رواية «الحلق» محفوظة؛ كحديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، عن أبي هريرة، عند مسلم بلفظ «جزوا الشوارب».
وحديث ابن عمر المذكور في الباب الذي يليه بلفظ «أحفوا الشوارب».
وفي الباب الذي يليه بلفظ «أنهكوا الشوارب».
فكل هذه الألفاظ تدل على أن المطلوب المبالغة في الإزالة؛ لأن الجز ـ وهو بالجيم والزاي الثقيلة ـ قص الشعر والصوف إلى أن يبلغ الجلد.
والإحفاء ـ بالمهملة والفاء ـ: الاستقصاء.
ومنه: حتى أحفَوه بالمسألة.
قال أبو عبيد الهروي: معناه: ألزقوا الجز بالبشرة.
وقال الخطابي: هو بمعنى الاستقصاء.
والنهك ـ بالنون والكاف ـ: المبالغة في الإزالة، ومنه ما تقدم في الكلام على الختان قوله صلى الله عليه و سلم للخافضة: «أشمي ولا تنهكي» أي: لا تُبالغي في ختان المرأة.
وجرى على ذلك أهل اللغة.
وقال ابن بطال: النهك: التأثير في الشيء، وهو غير الاستئصال.
قال النووي: المختار في قص الشارب أنه يقصه حتى يبدو طرف الشفة، ولا يحفه من أصله، وأما رواية «احفوا» فمعناها: أزيلوا ما طال على الشفتين.
قال ابن دقيق العيد: ما أدري: هل نقله عن المذهب أو قاله اختياراً منه لمذهب مالك؟
قلت: صرح في «شرح المهذب» بأن هذا مذهبنا.
وقال الطحاوي: لم أر عن الشافعي في ذلك شيئاً منصوصاً، وأصحابُه الذين رأيناهم كالمزني والربيع كانوا يحفون، وما أظنهم أخذوا ذلك إلا عنه.
وكان أبو حنيفة وأصحابه يقولون: الإحفاء أفضل من التقصير.
وقال ابن القاسم، عن مالك: إحفاء الشارب عندي مثلة.
والمراد بالحديث: المبالغة في أخذ الشارب حتى يبدو حرف الشفتين.
وقال أشهب: سألت مالكاً عمن يحفي شاربه؟ فقال: أرى أن يُوجَعَ ضرباً.
وقال لمن يحلق شاربه: هذه بدعة ظهرت في الناس اه.
وأغرب ابن العربي فنقل عن الشافعي أنه يستحب حلق الشارب، وليس ذلك معروفاً عند أصحابه.
قال الطحاوي: الحلق هو مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد اهـ.
وقال الأثرم: كان أحمد يحفي شاربه إحفاءً شديداً، ونص على أنه أولى من القص.
وقال القرطبي: وقص الشارب: أن يأخذ ما طال على الشفة؛ بحيث لا يؤذي الآكل ولا يجتمع فيه الوسخ.
قال: والجز والاحفاء هو القص المذكور، وليس بالاستئصال عند مالك.
قال: وذهب الكوفيون إلى أنه الاستئصال.
وبعضُ العلماء إلى التخيير في ذلك.
قلت: هو الطبري؛ فإنه حكى قول مالك وقول الكوفيين، ونقل عن أهل اللغة أن الإحفاء: الاستئصال.
ثم قال: دلت السنة على الأمرين ولا تعارُضَ؛ فإن القصّ يدلُّ على أخذ البعض، واإاحفاء يدلّ على أخذ الكل وكلاهما ثابت؛ فيتخير فيما شاء.
وقال ابن عبد البر: الإحفاء محتمل لأخذ الكل، والقص مفسّر للمراد، والمفسّر مقدّم على المجمل اهـ.
ويرجح قول الطبري ثبوت الأمرين معا في الأحاديث المرفوعة؛ فأما الاقتصار على القص ففي حديث المغيرة بن شعبة: ضفت النبيَّ صلى الله عليه وسلم وكان شاربي وفي فقصّهُ على سواك. أخرجه أبو داود.
واختلف في المراد بقوله: على سواك؛ فالراجح: أنه وضع سواكاً عند الشفة تحت الشعر وأخذ الشعر بالمقص، وقيل: المعنى: قصه على أثر سواك، أي: بعد ما تسوك.
و يؤيد الأول ما أخرجه البيهقي في هذا الحديث قال فيه: فوضع السواك تحت الشارب وقص عليه.
وأخرج البزار من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه و سلم أبصر رجلاً وشاربُهُ طويل فقال: «ائتوني بمقصٍّ وسواك»، فجعل السواك على طرفه، ثم أخذ ما جاوزه.
وأخرج الترمذي من حديث ابن عباس وحسَّنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصُّ شاربه.
وأخرج البيهقي والطبراني من طريق شرحبيل بن مسلم الخولاني قال: رأيتُ خمسةً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقصون شواربهم: أبو أمامة الباهلي، والمقدام بن معدي كرب الكندي، وعتبة بن عوف السلمي، والحجاج بن عامر الثمالي، وعبد الله بن بسر.
وأما الإحفاء؛ ففي رواية ميمون بن مهران، عن عبد الله بن عمر قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم المجوس فقال: «إنهم يوفون سبالهم، ويحلقون لحاهم؛ فخالفوهم»، قال: فكان ابن عمر يستقرض سبلته فيجزها كما يجز الشاة أو البعير. أخرجه الطبري والبيهقي.
وأخرجا من طريق عبد الله بن أبي رافع قال: رأيت أبا سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وابن عمر، ورافع بن خديج، وأبا أسيد الأنصاري، وسلمة بن الأكوع، وأبا رافع ينهكون شواربهم كالحلق.
لفظ الطبري.
وفي رواية البيهقي: يقصون شواربهم مع طرف الشفة.
وأخرج الطبري من طرق عن عروة وسالم والقاسم وأبي سلمة أنهم كانوا يحلقون شواربهم.
وقد تقدم في أول الباب أثر ابن عمر أنه كان يُحفي شاربه حتى يُنظَرَ إلى بياض الجلد.
لكن كل ذلك محتمل لأن يراد استئصال جميع الشعر النابت على الشفة العليا، ومحتمل لأن يراد استئصال ما يلاقي حمرة الشفة من أعلاها ولا يستوعب بقيتها؛ نظراً إلى المعنى في مشروعية ذلك، وهو: مخالفة المجوس، والأمن من التشويش على الآكل، وبقاء زهومه المأكول فيه، وكل ذلك يحصل بما ذكرنا.
وهو الذي يجمع مفترق الأخبار الواردة في ذلك، وبذلك جزم الداودي في شرح أثر ابن عمر المذكور، وهو مقتضى تصرف البخاري؛ لأنه أورد أثر ابن عمر، وأورد بعده حديثه، وحديث أبي هريرة في قص الشارب، فكأنه أشار إلى أن ذلك هو المراد من الحديث.
وعن الشعبي أنه كان يقص شاربه حتى يظهر حرف الشفة العلياء وما قاربه من أعلاه ويأخذ ما يزيد مما فوق ذلك، وينزع ما قارب الشفة من جانبي الفم، ولا يزيد على ذلك.
وهذا أعدل ما وقفت عليه من الآثار.
وقد أبدى ابن العربي لتخفيف شعر الشارب معنى لطيفاً فقال: إن الماء النازل من الأنف يتلبد به الشعر لِما فيه من اللزوجة، ويعسر تنقيته عند غسله، وهو بإزاء حاسة شريفة، وهي الشم فشرع تخفيفه ليتم الجمال والمنفعة به.
قلت: وذلك يحصل بتخفيفه، ولا يستلزم إحفافه وأن كان أبلغ!
وقد رجح الطحاوي الحلق على القص بتفضيله صلى الله عليه وسلم الحلق على التقصير في النُّسُك.
ووهّى ابن التين الحلق بقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من حلق».
وكلاهما احتجاج بالخبر في غير ما ورد فيه! ولا سيما الثاني !
ويؤخذ مما أشار إليه ابن العربي مشروعية تنظيف داخل الأنف وأخذ شعره إذا طال والله أعلم.
وقد روى مالك عن زيد بن أسلم أن عمر كان إذا غضب فتل شاربه، فدل على أنه كان يوفّره.
وحكى ابن دقيق العيد عن بعض الحنفية أنه قال: لا بأس بإبقاء الشوارب في الحرب إرهاباً للعدوّ وزيّفه!
فصل في فوائد تتعلق بهذا الحديث:
الأولى: قال النووي: يستحب أن يبدأ في قص الشارب باليمين.
الثانية: يتخير بين أن يقص ذلك بنفسه، أو يولي ذلك غيره؛ لحصول المقصود من غير هتك مروءة ـ بخلاف الإبط ـ ولا ارتكاب حرمة؛ بخلاف العانة.
قلت: محل ذلك حيث لا ضرورة، وأما من لا يحسن الحلق فقد يباح له ـ إن لم تكن له زوجة تحسن الحلق أن يستعين بغيره بقدر الحاجة ـ لكن محل هذا إذا لم يجد ما يتنوّرُ به؛ فإنه يُغني عن الحلق، ويحصل به المقصود.
وكذا من لا يقوى على النتف ولا يتمكن من الحلق إذا استعان بغيره في الحلق لم تهتك المروءة من أجل الضرورة كما تقدم عن الشافعي.
وهذا لمن لم يقوَ على التنور من أجل أن النورة تؤذي الجلد الرقيق كجلد الإبط.
وقد يقال مثل ذلك في حلق العانة من جهة المغابن التي بين الفخذ والأنثيين.
وأما الأخذ من الشارب فينبغي فيه التفصيل بين من يحسن أخذه بنفسه ـ بحيث لا يتشوه ـ وبين من لا يحسن فيستعين بغيره.
ويلتحق به من لا يجد مرآة ينظر وجهه فيها عند أخذه.
الثالثة: قال النووي: يتأدى أصل السنة بأخذ الشارب بالمقص وبغيره.
وتوقف ابن دقيق العيد: لا أعلم أحدا قال بوجوب قص الشارب من حيث هو هو واحترز بذلك من وجوبه بعارض حيث يتعين؛ كما تقدمت الإشارة إليه من كلام ابن العربي، وكأنه لم يقف على كلام ابن حزم في ذلك؛ فإنه قد صرح بالوجوب في ذلك وفي إعفاء اللحية.
وردت الإشارة إلى حديث سيماهم التحليق في بداية الموضوع , وهو ما فتح باب الحديث عن الشارب ...
وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من التحليق علامة لنا تنضم إلى غيرها من العلامات حتى نعرف المقصود بكلامه عليه الصلاة والسلام ,ويكفي في العلامة أن تتحقق في لحظة من الزمان أو موضع من المكان بحيث يدركها أهلها المقصودون بالخطاب دون اشتراط الاستمرار والاطراد ... وقد لا تكون العلامة محمودة أو مذمومة بنفسها ...فالتحليق مثلا سنة عند التحلل من الإحرام وهو أفضل من التقصير (اللهم ارحم المحلقين) , وعليه فمحاولة ربطه بالشارب غير سديد والله أعلم ..