"عن إبراهيم بن فاتك قال: لما أُتي بالحسين بن منصور ليصلب رأى الخشبة والمسامير فضحك كثيراً حتى دمعت عيناه. ثم التفت إلى القوم فرأى الشبليّ فيما بينهم فقال له: يا أبا بكر هل معك سجادتك. فقال: بلى يا شيخ. قال: افرشها لي. ففرشها فصلى الحسين بن منصور عليها ركعتين وكنت قريباً منه. فقرأ في الأولى فاتحة الكتاب وقوله تعالى (لنبلونكم بشيءٍ من الخوف والجوع) الآية، وقرأ في الثانية فاتحة الكتاب وقوله تعالى (كل نفس ذائقة الموت) الآية، فلما سلم عنها ذكر أشياء لم أحفظها وكان مما حفظته:
(اللهم إنك المتجلي عن كل جهة، المتخلي من كل جهة. بحق قيامك بحقي، وبحق قيامي بحقك. وقيامي بحقك يخالف قيامك بحقي. فإنّ قيامي بحقك ناسوتيّة، وقيامك بحقي لاهوتيّة. وكما أنّ ناسوتيّتي مستهلكة في لاهوتيّتك غير ممازجة إياها فلاهوتيتك مستولية على ناسوتيتي غير مماسّة لها. وبحق قِدَمك على حدثي، وحق حدثي تحت ملابس قدمك، أن ترزقني شكر هذه النعمة التي أنعمت بها عليَّ حيث غيّبت أغياري عمّا كشفت لي من مطالع وجهك وحرمت على غيري ما أبحت لي من النظر في مكنونات سرّك، وهؤلاء عبادك قد اجتمعوا لقتلي تعصُّباً لدينك وتقرُّباً إليك. فاغفر لهم، فإنك لو كشفت لهم ما كشفت لي لَما فعلوا ما فعلوا، ولو سترت عني ما سترت عنهم لَما ابتُليتُ. فلك الحمد فيما تفعل ولك الحمد فيما تريد، ثم سكت وناجى سراً.
فتقدم أبو الحارث السياف فلطمه لطمةً هشم أنفه وسال الدم على شيبه. فصاح الشبليّ ومزق ثوبه وغشى على أبي الحسين الواسطيّ وعلى جماعة من الفقراء المشهورين. وكادت الفتنة تهيج ففعل أصحاب الحرس ما فعلوا." اهـ
(اللهم إنك المتجلي عن كل جهة، المتخلي من كل جهة. بحق قيامك بحقي، وبحق قيامي بحقك. وقيامي بحقك يخالف قيامك بحقي. فإنّ قيامي بحقك ناسوتيّة، وقيامك بحقي لاهوتيّة. وكما أنّ ناسوتيّتي مستهلكة في لاهوتيّتك غير ممازجة إياها فلاهوتيتك مستولية على ناسوتيتي غير مماسّة لها. وبحق قِدَمك على حدثي، وحق حدثي تحت ملابس قدمك، أن ترزقني شكر هذه النعمة التي أنعمت بها عليَّ حيث غيّبت أغياري عمّا كشفت لي من مطالع وجهك وحرمت على غيري ما أبحت لي من النظر في مكنونات سرّك، وهؤلاء عبادك قد اجتمعوا لقتلي تعصُّباً لدينك وتقرُّباً إليك. فاغفر لهم، فإنك لو كشفت لهم ما كشفت لي لَما فعلوا ما فعلوا، ولو سترت عني ما سترت عنهم لَما ابتُليتُ. فلك الحمد فيما تفعل ولك الحمد فيما تريد، ثم سكت وناجى سراً.
بمثل هذا يا خادم أهل الله .. بمثل هذا
بارك الله فيكم ،وألحقنا بهؤلاء الصّادقين المحبّين لله محبّة تفرّعّتْ على فروعها، ودفعت عنها أغيارها ..
الله الله الله
وصلّى الله على سيّدنا محمّد الحبيب المحبوب طبّ القلوب ونورها ودوائها وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما.
شكرا جدا يا اخي على الموضوع الجميل وانا اعشق كل شيء عن الحلاج وكل كلماته رضي الله عنه وارضاه واتمنى مووضوعات اكتر عنه فى المنتدى الصوفي العظيم روض الرياحين
(إنا لله وإنا إليه راجعون )
(ولا حول ولا قوة إلا بالله )
(ما لهؤلاء القوم لايفقهون حديثا)
قال: سيدى أبو العباس المرسى شارحاً لكلام الشيخ أبي اليزيد البسطامي عندما قال: خضتُ بحراً وقف الأنبياء بساحله أى أن الأنبياء خاضوا بحر التوحيد ووقفوا بساحله يدعون الناس للتوحيد الخالص 0 ثم قال : لو كنت فى زمن الحلاج لما صلب ويعني بذلك أنه يفسر كلامه الذي أعجم على كثير من الحكام فى ذلك الوقت بأفضل تعبير ويزيل عنه الإشكال 0
رضى الله عنهم ورضى عنا بسببهم
رضي الله عن الحلاج وعن كافة أهل الله قاطبة ، والتمكين في هذا المقام يتفاوت
والتوفيق بيده سبحانه .
ولله در سيدي ابن علوان عندما قال ؛
تَمادى الشاهدان بنور عقلي
فذا يُحيي، وذاك يريد قتلــي
فوافقتُ المُشير إلى التَّجلـي
وخالفتُ المشير إلى الَّتخلـي
ولو أني نطقتُ على فــنائي
لقلت مقالة الحلاج قبلـــي
ولكن شدَّ من أهــواه أزري
وقوَّى همتي وأجَدَّ عقلـــي
فبعضي من فنون الحب فـانٍ
وبعضي بين إخواني وأهلــي
فلا أدري أللإخوان أبقــــى
أم الأهلين أم لله أم لــــي
ولي وجهان مكـــنونٌ وبادٍ
ولي علْمان جزئيٌّ وكُلـــي
"ذكر عن قاضي القضاة أبي بكر بن الحدّاد المصريّ قال: لمّا كانت الليلة التي قُتل في صبيحتها الحلاّج قام واستقبل القبلة متوشحاً بردائه ورفع يديه وتكلم بكلام كثير جاوز الحفظ. فكان مما حفظته منه أن قال:
نحن بشواهدك نلوذ. وبسنا عزتك نستضيء، لتبدي ما شئت من شأنك. وأنت الذي في السماء عرشك، وأنت (الذي في السماء إله وفي الأرض إله). تتجلى كما تشاء مثل تجلّيك في مشيئتك كأحسن صورة، والصورة فيها الروح الناطقة بالعلم والبيان والقدرة والبرهان. ثم أوعزتَ إلى شاهدك الأنيّ في ذاتك الهويّ. كيف أنت إذا مثّلت بذاتي، عند عقيب كرّاتي، ودعوت إلى ذاتي بذاتي، وأبديت حقائق علومي ومعجزاتي، صاعداً في معارجي إلى عروش أزلياتي، عند القول من بريّاتي. إني أُخذت وحُبست وأُحضرت وصُلبت وقُتلت وأُحرقت واحتملت السافيات الذاريات أجزائي. وإنّ لذرّةً من ينجوج مظانَّ هاكول متجليّاتي اعظم من الراسيات اهـ. ثم أنشأ يقول:
أنعَي إليك نفوساً طاح شاهدُها = فيما ورا الحيثِ بل في شاهد القِدَمِ
أنعي إليك قلوباً طالما هطَلت = سحائبُ الوحي فيها أبحُرَ الحِكَمِ
أنعي إليك لسانَ الحقّ مذ زَمَنٍ = أوْدَى وتذكارُه في الوهمِ كالعدمِ
أنعي إليك بياناً تستكين له = أقوالُ كلّ فصيحٍ مقوَلٍ فَهِمِ
أنعي إليك إِشاراتِ العقول معاً = لم يبقَ منهنّ إِلاّ دارسُ الرِمَمِ
أنعي وحُبِّك أخلاقاً لطائفةٍ = كانت مطاياهمُ من مُكمِد الكَظَمِ
مضى الجميعُ فلا عينٌ ولا أثرٌ = مُضِيَّ عادٍ وفُقدانَ الأُلي إِرَمِ
وخلّفوا معشراً يحذون لُبسَهمُ = أعمى من البَهْم بل أعمى من النَعَمِ
سيدي سهيل
في «بحت» هذه مبالغة.
ومن الموالَون في الثورة المعنيّة بالتحديد؟
هل هم من اهل السنة، أم من غيرِهم؟
وانظر ما قال الذهبي في «السير» 14/314:
وتبرأ منه سائر الصوفية والمشايخ والعلماء لما سترى من سوء سيرته ومروقه، ومنهم من نسبه إلى الحلول، ومنهم من نسبه إلى الزندقة، وإلى الشعبذة والزوكرة، وقد تستر به طائفة من ذوي الضلال والانحلال، وانتحلوه وروجوا به على الجهال.
نسأل الله العصمة في الدين.
ثم نقل عن ولده حمد بن الحلاج قال: مولد أبي بطور البيضاء، ومنشؤه تستر، وتلمذ لسهل سنتين، ثم صعد إلى بغداد.
كان يلبس المسوح، ووقا يلبس الدراعة، والعمامة والقباء، ووقتا يمشي بخرقتين، فأول ما سافر من تستر إلى البصرة كان له ثمان عشرة سنة، ثم خرج إلى عمرو المكي، فأقام معه ثمانية عشر شهرا، ثم إلى الجنيد، ثم وقع بينه وبين الجنيد لاجل مسألة، ونسبه الجنيد إلى أنه مدع، فاستوحش وأخذ والدتي، ورجع إلى تستر، فأقام سنة، ووقع له القبول التام، ولم يزل عمرو بن عثمان يكتب الكتب فيه بالعظائم حتى حرد أبي ورمى بثياب الصوفية، ولبس قباء، وأخذ في صحبة أبناء الدنيا.
ثم إنه خرج وغاب عنا خمس سنين، بلغ إلى ما وراء النهر، ثم رجع
إلى فارس، وأخذ يتكلم على الناس، ويعمل المجلس ويدعو إلى الله تعالى، وصنف لهم تصانيف، وكان يتكلم على ما في قلوب الناس، فسمي بذلك حلاج الاسرار، ولقب به.
ثم قدم الاهواز وطلبني، فحملت إليه، ثم خرج إلى البصرة، ثم خرج إلى مكة ولبس المرقعة، وخرج معه خلق، وحسده أبو يعقوب النهرجوري، وتكلم فيه، ثم جاء إلى الاهواز، وحمل أمي وجماعة من كبار أهل الاهواز إلى بغداد، فأقام بها سنة.
ثم قصد إلى الهند وما وراء النهر ثانيا، ودعا إلى الله، وألف لهم كتبا، ثم رجع، فكانوا يكاتبونه من الهند بالمغيث، ومن بلاد ماصين وتركستان بالمقيت، ومن خراسان بأبي عبد الله الزاهد، ومن خوزستان بالشيخ حلاج الاسرار.
وكان ببغداد قوم يسمونه المصطلم، وبالبصرة المحير، ثم كثرت الاقاويل عليه بعد رجوعه من هذه السفرة، فقام وحج ثالثا، وجاور سنتين، ثم رجع وتغير عما كان عليه في الاول، واقتنى العقار ببغداد، وبنى دارا، ودعا الناس إلى معنى لم أقف عليه، إلا على شطر منه، ثم وقع بينه وبين الشبلي وغيره من مشايخ الصوفية، فقيل: هو ساحر.
وقيل: هو مجنون.
وقيل: هو ذو كرامات، حتى أخذه السلطان.
انتهى كلام ولده.
ثم قال الذهبي بعد قليل:
وقال أبو نصر السراج: صحب الحلاج عمرو بن عثمان، وسرق منه كتبا فيها شئ من علم التصوف، فدعا عليه عمرو: اللهم اقطع يديه ورجليه.
قال ابن الوليد: كان المشايخ يستثقلون كلامه، وينالون منه لانه كان يأخذ نفسه بأشيائ تخالف الشريعة، وطريقة الزهاد، وكان يدعي المحبة لله، ويظهر منه ما يخالف دعواه.
ثم قال بعد ذلك 14/322:
وقال التنوخي: أخبرنا أبي: سمعت أحمد بن يوسف الازرق: أن الحلاج لما قدم بغداد استغوى خلقا من الناس والرؤساء، وكان طعمه في الرافضة أقوى لدخوله في طريقهم، فراسل أبا سهل بن نوبخت يستغويه، وكان أبو سهل فطنا، فقال لرسوله: هذه المعجزات التي يظهرها يمكن فيها الحيل، ولكني رجل غزل، ولا لذة لي أكبر من النساء، وأنا مبتلى بالصلع، فإن جعل لي شعرا ورد لحيتي سوداء، آمنت بما يدعوني إليه وقلت: إنه باب الامام، وإن شاء قلت: إنه الامام، وإن شاء قلت: إنه النبي، وإن شاء قلت: إنه الله.
فأيس الحلاج منه وكف.
ثم نقل بعدُ:
قال السلمي [في " الطبقات " 307-308]: أكثر المشايخ ردوا الحلاج ونفوه، وأبوا أن يكون له قدم في التصوف...
انتهى ما رُمتُ نقله. وثمةَ دواهٍ كثيرة. فمن رام فليرجع!
وأقول:
ينبغي لنا أن نُمسِكَ عن الرجل فقد أفضى إلى ما قدم؛ إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشر!
ومن حكم له بشيءٍ سُئِلَ عما شهِدَ له به!
ومن سكت سلم، والسلامة غُنم.
ونحن لا نقطع بما نُسِبَ إليه من الكفريات، ومن شهد عليه به فقد تجـرّأ على موقف الحساب.
إلا أنه ينبغي لنا التمييز بين الأقوال (مجردةً) ومن نُسِبَ القول إليه؛ فنحكم بفساد الأقوال، بل وبكفر بعضِها (بلا وجل)، ونُحجِمَ عن تكلُّفِ إثباتِها للرجل؛ وعن أن نتمحّل في التأويلات لها.
وما وجدنا له ـ ولغيره ـ من جميل القول، وسليم المعاني أحسنّا الظنّ بترجيح نسبته إليه، وحملناه أحسن محمل، ودرأنا به عن الرجل ما استطعنا.
لأن حسن الظنّ بكل مسلمٍ واجب ما استطعنا إلى ذلك سبيلا
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحلاج رضي الله عنه من أكابر الأولياء
وكلامه شاهد عليه للمحجوبين أمثالنا
أما عند العارفين فهو عندهم ولي كبير
وقتله كان بفتوى أهل الظاهر والباطن لأمور يعلمها الله
ومن أراد السبب فليراسلنى على الخاص
وممن ذكر سبب قتله الشيخ الأكبر والشاذلي رضي الله عنهما
ولما أراد أهل الله ستر السبب في قتل الحلاج لا أحبذ إفشاءه إلا لأهله مع أنه مكتوب في الكتب المعتمدة
وماتبرّء منه الصّوفية ، بل لا يزالُ ذكره في أمّهات الكتب بالولاية والصّلاح والرّبانية .
وممّا يحضُرني من مصادر تزكيته ، وضرب المثال به في مراتب الأكابر والعارفين رضي الله عنهم . كتاب شرح المشكلات للشيخ عبد الكريم الجيلي قدّس الله سرّه .
وكما قال الشيخ الجيلي قدّس الله سرّه - بما معناه - : قتل سيدي الحلاّج لأنّه شطحَ شطحاً في مقامٍ لم يكن لهُ فيه تحقّق .
قلت فأوجَبَتْ عليه الشرائعُ القتل والحكم ، وكان ممّن حكم بقتله بعض أكابر السّادة الصّوفية مع أهل الظاهر طبعا . حكماً أوجبه الظاهر ، وهم يعلمون بولايته وصلاحه وعزّ مقامه - أي السادة الصوفية - .
قلتُ وذكر العلّة الشيخ الجيلي أنّه قتَله شطحٌ في مقام لم يكن متحقّقا به على خلاف من شطح من الأكابرالمتحقّقين في ذاك المقام كالشيخ البسطامي قدّس الله سرّه ، والشيخ الجيلاني قدّس الله سرّه .. فمن كان متحقّقاً في مقام ما حوكم عليه الحلاّج لا يقومُ عليه الحكم والحدّ . فقامَ عليه حدُّ ما لم يتحقّق به ، إذ لدفع عنه تحقّقه دعواه .والله أعلم .
وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم كثيرا.
وقال إبراهيم بن فاتك: دخلت يوماً على الحلاّج في بيت له على غفلة منه فرأيته قائماً على هامة رأسه وهو يقول: يا من لازمني في خَلَدي قرباً، وباعدني بُعد القِدَم من الحدث غيباً. تتجلّى عليَّ حتى ظننتك الكل، وتُسلَب عنّي حتى أشهد بنفيك. فلا بُعدك يبقى، ولا قُربك ينفع، ولا حربك يغني، ولا سِلْمك يؤمن فلمّا أحسّ بي قعد مستوياً وقال: أدخل ولا عليك. فدخلت وجلست بين يديه، فإذا عيناه كشعلتي نار. ثم قال: يا بنيّ إنّ بعض الناس يشهدون لي بالكفر، وبعضهم يشهدون لي بالولاية. والذين يشهدون عليّ بالكفر أحبّ إليّ وإلى الله من الذين يقرّون لي بالولاية. فقلت: يا شيخ ولِمَ ذلك. فقال: لأنّ الذين يشهدون لي بالولاية من حُسن ظنهم بي. والذين يشهدون عليّ بالكفر تعصّباً لدينهم، ومن تعصّب لدينه أحبّ إلى الله ممّن أحسن الظن بأحدٍ. ثم قال لي: وكيف أنت يا إبراهيم حين تراني وقد صُلبت وقُتلت وأحرقت وذلك أسعد يوم من أيام عمري جميعةً. ثم قال لي: لا تجلس واخرج في أمان الله.
وعن الشيخ إبراهيم بن عمران النيلي أنه قال: سمعت الحلاج يقول: [النقطة أصل كل خط، والخط كله نقط مجتمعة. فلا غنىً للخط عن النقطة، ولا للنقطة عن الخط. وكل خط مستقيم أو منحرف فهو متحرك عن النقطة بعينها، وكل ما يقع عليه بصر أحد فهو نقطة بين نقطتين. وهذا دليل على تجلّي الحقّ من كل ما يُشاهَد وترائيه عن كل ما يُعايَن. ومن هذا قُلت: ما رأيتُ شيئاً إلاّ ورأيت الله فيه.
وعن بن الحدّاد المصري قال: خرجت في ليلة مُقمرة إلى قبر أحمد بن حنبل رحمه الله، فرأيت هناك من بعيد رجلاً قائماً مستقبلاً القبلة. فدنوت منه من غير أن يعلم، فإذا هو الحسين بن منصور وهو يبكي ويقول:[ يا من أسكرني بحُبه، وحيّرني في ميادين قُربه، أنت المنفرد بالقِدَم، والمتوحّد بالقيام على مقعد الصدق، قيامك بالعدل لا بالاعتدال، وبُعدك بالعزل لا بالاعتزال، وحضورك بالعلم لا بالانتقال، وغيبتك بالاحتجاب لا بالارتحال. فلا شيء فوقك فيُظلَّك، ولا شيء تحتك فيُقلّك. ولا أمامك شيء فيجدك، ولا وراءَك شيء فيدركك. أسئلك بحرمة هذه التُرَب المقبولة والمراتب المسئولة، أن لا تردّني إليّ بعد ما اختطفتني منّي، ولا تُريني نفسي بعد ما حجبتها عنّي، وأكثر أعدائي في بلادك، والقائمين لقتلي من عبادك. فلمّا أحسّ بي التفت وضحك في وجهي ورجع وقال لي: يا أبا الحسن، هذا الذي أنا فيه أوّل مقام المريدين. فقلت تعجّباً: ما تقول يا شيخ، إن كان هذا أول مقام المريدين فما مقام من هو فوق ذلك? قال: كذبتُ هو أول مقام المسلمين لا بل كذبت هو أول مقام الكافرين. ثم زعق ثلث زعقات وسقط وسال الدم من حلقه. وأشار إليّ بكفّه أن أذهب، فذهبت وتركته. فلما أصبحت رأيته في جامع المنصور فأخذ بيدي ومال بي إلى زاوية وقال: بالله عليك لا تُعلم أحداً بما رأيت منّي البارحة.
وعن أبي إسحق إبراهيم بن عبد الكريم الحلواني قال: خدمت الحلاّج عشر سنين وكنت من أقرب الناس إليه. ومن كثرة ما سمعت الناس يقولون فيه ويقولون إنه زنديق توهمتُ في نفسي فأخبرته. فقلت له يوماً: يا شيخ أريد أن أعلم شيئاً من مذهب الباطن. فقال: باطن الباطل أو باطن الحق? فبقيت متفكراً فقال: [أمّا باطن الحقّ فظاهره الشريعة، ومن يحقق في ظاهر الشريعة ينكشف له باطنها، وباطنها المعرفة بالله. وأما باطن الباطل فباطنه أقبح من ظاهره. وظاهره أشنع من باطنه، فلا تشتغل به. يا بني أذكر لك شيئاً من تحقيقي في ظاهر الشريعة. ما تمذهبتُ بمذهب أحد من الأيّمة جملةً وإنما أخذت من كل مذهب أصعبه وأشدّه وأنا الآن على ذلك. وما صلّيتُ صلوة الفرض قطُّ إلا وقد اغتسلت أولاً ثم توضّأت لها. وها أنا ابن سبعين سنة وفي خمسين سنة صلّيت صلوة ألفي سنة، كل صلوة قضاء لما قبلها." اهـ
"وقال إبراهيم الحلوانيّ: دخلت على الحلاج بين المغرب والعشاء فوجدته يصلّي. فجلست في زاوية البيت كأنه لم يحسّ بي لاشتغاله بالصلوة. فقرأ سورة البقرة في الركعة الأولى وفي الركعة الثانية آل عمران. فلما سلّم سجد وتكلّم بأشياء لم أسمع بمثلها. فلمّا خاض في الدعاء رفع صوته كأنه مأخوذ عن نفسه ثم قال: يا إله الآلهة، ويا ربّ الأرباب، ويا من (لا تأخذه سِنةٌ ولا نومُ) رُدّ إليّ نفسي لئلا يفتنن بي عبادك. يا هو أنا وأنا هو، لا فرق بين أنيّتي وهويّتك إلاّ الحدث والقِدَم. ثم رفع رأسه ونظر إليّ وضحك في وجهي ضحكات، ثم قال: يا أبا إسحق أما ترى أن ربّي قِدَمه في حدثي حتى استهلك حدثي في قدمه، فلم يبقَ لي صفة إلاّ صفة القديم، ونُطقي في تلك الصفة. والخلق كلّهم أحداث ينطقون عن حدث. ثم إذا نطقتُ عن القدم ينكرون عليّ ويشهدون بكفري ويسعَون إلى قتلي. وهم بذلك معذورون، بكل ما يفعلون بي مأجورون.
وقال الحلواني: كنت مع الحلاج وثلثة نفر من تلاميذه وواسطت قافلتي من واسط إلى بغداد. وكان الحلاّج يتكلم فجرى في كلامه حديث الحلاوة. فقلنا: على الشيخ الحلاوة. فرفع رأسه وقال: [يا من لم تصل إليه الضمائر، ولم تمسّه شُبه الخواطر والظنون، وهو المترائي عن كل هيكل وصورة، من غير مماسّة ومزاج. وأنت المتجلّي عن كل أحد، والمتحلي بالأزل والأبد. لا توجد إلاّ عند اليأس، ولا تظهر إلا حال الالتباس. إن كان لقربي عندك قيمة، ولإعراضي لديك عن الخلق مزيّة، فائتنا بحلاوة يرتضيها أصحابي ثم مال عن الطريق مقدار ميل فرأينا هناك قطعاً من الحلاوة المتلونة، فأكلنا ولم يأكل منه. فلمّا استوفينا ورجعنا خطر ببالي سوء ظنّ بحاله، وكنت لا أقطع النظر عن ذلك المكان وحافظته أحوَط ما يحافظ مثله. ثم عدلت عن الطريق للطهارة وهم ذاهبون، ورجعت إلى المكان فلم أرَ شيئاً. فصلّيت ركعتين وقلت: اللهم خلّصني من هذه التهمة الدنيّة. فهتف لي هاتف: [يا هذا أكلتم الحلاوة على جبل قاف وتطلب القِطَع ههنا أحسن همّك، فما هذا الشيخ إلاّ ملك الدنيا والآخرة]." اهـ