تاريخ التسجيل: 05-07-2008
مشاركاته: 682
ملفاته: 21
15-08-2009 23:04
خطبة لفضلة العلامة الشيخ محمد أبي الهدى اليعقوبي الحسني
الجمعة: 16/شعبان/1430هـ الموافق: 7/آب/2009م
حفظ البيئة في الإسلام
أيها الإخوة المؤمنون.. موضوع الحديث اليوم: (حفظ البيئة في الإسلام) وهذا موضوع من أهم مواضيع العصر، لما يترتب على الإساءة للبيئة من أخطار ترجع على الإنسان والحيوان والنبات، تؤذي الإنسان في صحته في تنفسه في جلده في أطفاله، تؤذي الحيوان بالانقراض تؤذي الحيوان بانتشار الأمراض، تؤذي النبات بما يحدث له من تفاعلات كيماوية أو تهدد بعض أنواع النبات بالتسمم، تؤذي مصادر الطعام والشراب كالآبار والأنهار.. فالضرر شديد والخطر عظيم، والحاجة ماسة إلى الرجوع للقرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة، وإلقاء الضوء على هذا الموضوع الذي يغفل عنه معظم المسلمين في هذا العصر، ويتنبه له معظم الكافرين في بلاد أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.
وبعض الناس يظن أنه ليست هناك صلة بين البيئة والدين، لأن المسلمين ولله الحمد يخافون الله تبارك وتعالى ويتحرون الحلال ويتجنبون الحرام، وهذا ظننا بعباد الله عز وجل وبخاصة رواد المساجد، ولكن الإنسان لا يظن أنه بالحفاظ على البيئة يؤدي طاعة لله عز وجل، وأنه بالإساءة إلى البيئة يرتكب ذنباً، نحن في هذه الخطب إن شاء الله نريد أن نبين أن حفظ البيئة مقصد من المقاصد الكبرى للشريعة الإسلامية، حفظ البيئة يدخل في أبواب الحلال والحرام وفي أحكام الله تبارك وتعالى، انطلاقاً من أسس جاءت في القرآن الكريم تمهد لنا الطريق في فهم النظرة الإسلامية إلى الأشياء إلى الكون إلى الأرض إلى الحيوان والنبات.
وأحب قبل أن أخوض في هذه النظرة أن أبين لكم أن الفقهاء قديماً لم يكتبوا أبواب الفقه في حكم البيئة، ولا يعد هذا نقصاً إطلاقاً، لأنه لم تكن ثمة حاجة، لأن الحفاظ على البيئة كان جزءاً مما ينشأ عليه الإنسان، فلم يكن أحد يتنبه إلى قضية صنع الحافظات والأواني من مواد غير المواد التي تخرج من الأرض، ولم يكن أحد يتنبه إلى قضايا مثل صناعة نباتات للزينة من مواد تحاكي النباتات الأصلية في الشكل، هذه أمور لم تكن واردة على الإطلاق، لأن المسلمين ما كانوا يبحثون عن بديل لما تخرجه الأرض ولما يصنع من المواد الطبيعية أولاً وآخراً، فنظرة الإسلام للمصنوعات وأدوات الحضارة كانت مبنية على استخدام المواد التي تستخرج من الأرض مما هيأه الله تبارك وتعالى للإنسان، لذلك لم يبحثوا في حكم إتلاف الأواني المصنوعة من المواد اللَّدْنة (البلاستيك) مثلاً، ولم يحتاجوا لتخصيص باب من أبواب الفقه للحفاظ على البيئة، وهذا لا يعد نقصاً، لأن الحفاظ على البيئة كان جزءاً مما يمكن أن نسميه (الثقافة الإسلامية) لجميع المسلمين.
والكبار منكم يعرفون هذا، وقد نشأنا على هذا في هذا البلد دمشق، لا يستطيع الإنسان إذا كان قد نشأ في هذه البلدة أن يلقي بعلبة فارغة في الطريق، ولا يستطيع إذا أراد مثلاً أن يشتري شيئاً من الطعام كالزيت أو اللبن إلا أن يحضر معه آنية، كانوا قديماً وكنا نخرج بالآنية من البيت فنضع الزيت في الآنية فنشتريه ثم نرجع، والآنية يعاد استخدامها دائماً وأبداً، هذه الثقافة (ثقافة البلاستيك) ثقافة جديدة.
ثقافة الإسراف في المياه ثقافة جديدة، ما كان المسلمون يعرفون ذلك إطلاقاً، النبي عليه الصلاة والسلام كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع، تسألني هل هذا من الممكنات؟ أقول لك هذا من الممكنات، وقد جربت الغسل بلتر واحد من الماء مقدار أربعة أو خمسة أمداد، والمد ما تحمله اليدان معاً، جربت هذا في بعض الأرياف، كنت مرة في بلاد إسبانيا ولم يكن ثمة ماء، ما كان معنا إلا مقدار يسير من الماء، وقد وجب علي الغسل فاغتسلت بلتر من الماء، وأنا أذكر هذا بياناً أن هذه الأخبار التي جاءتنا أخبار صحيحة، وهي من الممكنات.
ثقافة (الدوش) الذي يغتسل الإنسان تحته ما كان يعرفها أهل دمشق ولا المسلمون في البلاد الإسلامية، و(الدوش) لم يأت به المسلمون إطلاقاً، وحوض الاستحمام لم يأت به المسلمون أبداً، هذه الثقافة ليست ثقافة إسلامية، لأن فيها تبذير الماء وإسرافه، وبتوفير دقيقة أو دقيقتين خلال الاستحمام من (الدوش) مثلاً توفر عشرات الليترات، لأن الذي يستحم مقدار خمس دقائق يستهلك اثنين وتسعين لتراً من الماء بالدوش الصغير الذي يُنزل الماء بالقطارة! ثقافة المسلمين كانت الاغتسال بالجرن والطاسة، يعبئ الإنسان الجرن المصنوع من الحجر أمامه وبيده طاسة صغيرة، فينظف نفسه ويأخذ مقدار ما يحتاجه من الماء بالطاس، وما زال هذا في الحمامات العامة في دمشق.
هذه ثقافة المسلمين، لذلك لا اعتراض أيها الإخوة على المسلمين أنهم لم يكتبوا في حفظ البيئة إطلاقاً، المواد موجودة: الآيات القرآنية الأحاديث النبوية الأحكام الفقهية متناثرة في أبواب الفقه، لكن لم يحتج المسلمون أصلاً لباب خاص يسمى باب الحفاظ على البيئة، كذلك حقوق الإنسان، أنا حضرت مؤتمراً من مدة قريبة قام فيه بعض أدعياء العلم من صنائع الغرب يقول: إن المسلمين لم يبحثوا في حقوق الإنسان، وقصروا في مسألة حقوق الإنسان! أنا أضرب فقط مثالاً للمقارنة، أقول: المسلمون لم يقصروا إطلاقاً، لكن حقوق الإنسان لم يتعدَّ عليها أحد من المسلمين حتى يحتاج المسلمون إلى كتاب أو باب من أبواب الفقه في حقوق الإنسان، أحكام حقوق الإنسان متناثرة في أبواب الفقه يعرفها الفقهاء ويعرفها الكبار والصغار، لأنها كانت أموراً أصلية ينشأ عليها المسلم، فلم يحتج المسلمون إلى أمم متحدة وقوانين جديدة واتفاقيات دولية لتثبيت حقوق الإنسان، وهكذا الشأن في البيئة.
صحيح أن كلمة (البيئة) هكذا لم ترد في القرآن الكريم، لكن جاءت مشتقات البيئة، فالبيئة مشتقة في اللغة العربية من الباء والألف والألف، (باء – يبوء) ونجد في القرآن الكريم: إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ [المائدة،29] ..فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ .. [الأنفال،16] ..وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ.. [الأعراف،74] {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ .. [الحشر،9] وأمثال هذا من الآيات الكريمة في كتاب الله تعالى.
و (بَوَّأَ) في اللغة العربية معناه: أنزله مُنزَلاً، أي أقام له وهيأ له مكاناً يقيم فيه، (والذين تبوؤوا الدار) وهذا هو المعنى الذي خاطب الله تبارك وتعالى به العباد مبيناً أن الأرض جميعاً جعلها الله تبارك وتعالى بيئة لنا، بوأنا الله تبارك وتعالى في الأرض، الإنسان إذا نزل داراً أو سكن منزلاً من المنازل هل يعبث فيه؟ الإنسان هل يعبث في جدران بيته؟ هل يهدّ جداراً من جدران بيته؟ هل يحرق طلاء جدرانه مثلاً؟ هل يقتلع بلاط أرضه؟ هذه دارك، نعم ربما السبب أنك اشتريتها بمالك، لكن السبب الأول ولو كان عندك من المال مهما كان عندك السبب الأول أنك تنتفع بها، الانتفاع هو السبب الأخص، لأنك تنتفع بها ولا تريد إيذاء نفسك وإيذاء أولادك، إذا كان الدار فيها رخام وهي مبلطة بالرخام لا تقتلع الرخام وتسكن على الرمل بدارك، ولا تلق بالأحماض في دارك، بل تحافظ على دارك، والأرض جميعاً دار لنا أيها الإخوة، فهذا أصل من الأصول القرآنية الإسلامية التي تبعثنا وتحثنا على المحافظة على كل ما في هذه الأرض.
(البيئة) في قواميس اللغة موجودة، وهي كلمة قديمة مشتقة، بِيْئَة على وزن: بِيْعَة، يقال في العربية: (فلان حس البيئة) أي: حسن الحال، فالبيئة عند العرب في المعاجم كما في لسان العرب تعني الحالة العامة المحيطة بالإنسان، ما يظهر عليه من ثياب من صحة وعافية.. فلا مانع إذاً إذا أخذنا هذه الكلمة وكتبنا في هذا العصر أحكام الفقه للحفاظ على البيئة.
أنا لن أستطيع أن أتتبع أحكام حفظ البيئة في هذه الخطبة، ولكنني سأخصص هذه الخطبة في البداية إن شاء الله تبارك وتعالى للقواعد الشرعية والأصول العقدية الفقهية، ثم أضرب مثالاً واحداً ربما يتسع له المقام بـ: (البلاستيك)، وربما نخصص خطباً أخرى في المستقبل للحفاظ على مصادر المياه مثلاً، حفظ البيئة بحفظ المياه، وخطبة أخرى لموضوع حفظ البيئة بعدم استهلاك الوقود، وأضرار الوقود، وأمثال هذا مما سنتكلم عنه إن شاء الله في الخطب الآتية، لكن الأصل الأول أيها الإخوة أن الأرض دار لنا.
بوأنا الله تبارك وتعالى هذه الأرض، وجعلها مستقراً لنا وأنزلنا إياها، ثم بعد ذلك استخلفنا فيها، وهذا هو الأصل الثاني، معنى هذا الاستخلاف أيها الإخوة.. وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً.. [البقرة،30] وفي آية أخرى قال الله تبارك وتعالى: ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [يونس،14] والنبي عليه الصلاة والسلام يقول في الحديث الصحيح: (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله تعالى مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون).. أي: أنت خليفة تخلف من قبلك في وضع اليد على ما تضع يدك عليه، أنت تضع يدك على أشياء، صحيح الملك يكون بالمال تشتريه أو ترثه مثلاً أو يوهب لك، لكن هذا في حق دارك دار سكناك وفي حق آنيتك ولباسك، لكن الطريق الذي تمشي به هذا جزء مما استخلفك الله تعالى فيه، أنت مأمور بالمحافظة عليه لأنك خليفة خلفت فيه من قبلك، كما قال بعض العلماء في تفسير: (خليفة) أي: خلف من قبله، أو يخلف بعضهم بعضاً، أو نائب عن الله تبارك وتعالى استخلفه الله عز وجل فيه.
وقد بحث العلماء في قضية: (هل يصح أن يقال إن الله خليفة الإنسان في الأرض أو لا يصح) وقد كتب الشيخ عبد الرحمن حبنكة الميداني ابن علامة دمشق الشيخ حسن حبنكة رحمهما الله تعالى رسالة يقول فيها: إنه لا يصح أن يقال إن الإنسان خليفة الله في الأرض، لأن الإنسان خليفة من كان قبله، وللعلماء في ذلك آراء متعددة، لكن أيها الأخ المسلم أنت مستخلف فيما وضعه الله تبارك وتعالى بين يديك على وجه الأرض، ولو كان رأس جبل تصعد إليه لتتنعم بالهواء البارد الطيب أنت مستخلف في ذلك المكان.
والاستخلاف يقتضي أيها الإخوة الأمانة، أي ما وضعه الله بين يديك ليس لك، ورثته عمن قبلك وستورثه لمن بعدك، وهنا نعرف نظرة الإسلام إلى الأشياء، وهو الأصل الثالث الذي أريد أن أصل إليه. الأشياء في أيدينا أيها الإخوة عارية معارة لنا، حتى اللباس الذي تلبسه معار لك، نعم اشتريته بمالك، لكن تلبسه قدر ما تحتاجه، فإذا لم تحتجه إما لأنه تلف وإما لأنك تريد الجديد لا الخلق البالي من الثياب، ينتفع به غيرك، إما بنفس الباب باللباس أو بأبواب أخرى من الانتفاع، من هذا الباب لا يحق لك شرعاً أن تتلف مالك، كأس من الشراب كأس من الزجاج بين يديك تشرب بها تتلفه تقول هذا مالي وأنا حر فيه، من حيث الفقه نعم أنت حر فيه في أن تهبه في أن تبيعه، لكن لست حراً في أن تتلفه، لأنك مستأمن عليه، فهو في يدك أمانة ينبغي أن تبقيه لمن بعدك.
وهنا نعرف طريقة المسلمين في التعامل مع الآنية مثلاً واللباس، كانوا قديماً يورثون اللباس الواحد للآخر، لأنهم يصنعون اللباس بطرق لا يفنى معها اللباس كالعباءة مثلاً، العباءات مثلاً كانت تورث قديماً، والعباءة تلبس ستين سنة وسبعين سنة، يلبسها الأب والابن والحفيد، ولا مانع من ذلك ولا عار في ذلك، بل كانوا يفتخرون قديماً بمثل هذا، واللباس يبقى مدداً من الزمان ولا يفنى، أيها الإخوة بالعناية والحفظ يبقى اللباس، وفي بعض المتاحف في استانبول مثلاً البردة النبوية الشريفة، بقيت قروناً بعد عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد بقيت بردتان من برد النبي عليه الصلاة والسلام بعد عصره، وهناك في كتب التاريخ تفصيل للآثار النبوية الشريفة، بالحفظ اللباس يبقى، تلبسه أنت ويلبسه من بعدك، الآن الناس يستحيون أن يلبس الواحد لباساً لغيره، المثال في الآنية أوضح، حتى آباؤنا كانوا يورثون الآنية لأبنائهم، وورثنا آنية النحاس والآنية الفخارية من آبائنا، وكنا نستعملها أيها الإخوة، تعرفون هذا يا أبناء دمشق، فالآنية كانت تورث وتبقى مائتي سنة وثلاثمئة سنة وأربعمئة سنة، تورث الآنية من النحاس مثلاً، والآنية من الخزف، وكانوا يتفننون في صنع الآنية قديماً، لأنها تبقى، نعم تصان بالحفظ والتنظيف، النحاس بالتبييض، حتى لا يؤذي ولا يضر، هكذا كانت النظرة لا الإتلاف، الإنسان الآن حتى فيما يبقى يتلفه، يكسر الزجاج يقول: أنا حر في مالي، أنت لست حراً في مالك لأنك مستأمن عليه، هو أمانة بيدك ينبغي أن تحفظه لمن بعدك.
وهكذا في الكتب، كيف وصلتنا المخطوطات أيها الإخوة من ألف ومئتي سنة؟! هناك مخطوطات من القرن الثالث الهجري، أقدم مخطوط موجود في المكتبة الظاهرية التي نقلت إلى المكتبة الوطنية أقدم مخطوط في دمشق (مسائل الإمام أحمد بن حنبل) كُتب سنة مئتين وإحدى وستين هجرية على الورق لا على الرق، الرق يبقى أكثر من الورق، مع ذلك الورق حُفظ، كيف حُفظت هذه الكتب لو كان كل طالب علم يمزق الكتاب الذي يقرأ فيه ويفتح الكتاب بريقه هكذا حتى يرطب أوراق الكتب وتدخل إليها الفطريات! ما كانوا يفتحون الكتاب بالريق، كانوا يصونون الكتاب عن الريق، يفتحون الورق بعناية وحذر، ويحفظون الكتاب ولا يضعون القلم فيه، وإذا وضعوه على الأرفف يصونونه عن الغبار وغير ذلك، حتى وصلت إلينا هذه الكتب وننتفع بها الآن، وتطبع المخطوطات، وأقول لكم: لم يطبع ولا عشر المخطوطات العربية الإسلامية في علوم الدين والشريعة، بل في علوم الطب والكيمياء، وصلت إلينا بالحفظ.
فهذا هو الأصل الثاني -وهو أصل عظيم- أن الأشياء في أيدينا أمانة، دارك في يدك أمانة، لباسك في يدك أمانة، حافظ عليه واستعمله فيما خلق له فيما وضع له ولا تتعدَّ في استعماله، التعدي في استعماله بإتلافه مثلاً، لا يجوز، وأنت محاسب يوم القيامة لأنك منعت الناس من بعدك من الانتفاع بما في يدك.
ثم الأصل الآخر الذي نحب أن نتكلم عنه هو التسخير، التسخير جاء في كلام الله تبارك وتعالى، أي: (التهيئة) أي أن الله تبارك وتعالى هيأ لنا ما في السموات وما في الأرض، ووضع ذلك في متناول أيدينا، وجعله طوع بنان الإنسان، قال تبارك وتعالى: وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا.. [النحل،14] وفي آية أخرى: أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ.. [لقمان،20] هذا التسخير يرجع إلى أصل، أن الله تبارك وتعالى شرف الإنسان بالإيمان، شرفه بمعرفته، شرفه بعبادته وتوحيده، بهذا السر، بسر عبوديتك لله عز وجل أنت سيد ما على الأرض، أنت سيد بسر عبوديتك لله عز وجل، فلك سلطان على جميع ما في الأرض، لكن هذا السلطان مقيد بأحكام الله عز وجل، مقيد بعبوديتك له تبارك وتعالى.
ومن هنا نعرف كيف يميز الإنسان فيما بين القوانين والآداب، الآن مثلاً الرفق بالحيوان أصل من الأصول الإسلامية، ولكن الرفق بالحيوان لا يؤدي إلى الامتناع عن أكل الحيوان، لأن الحيوان مسخر للإنسان، وهنا نرى الفرق بين المسلمين وبين غير المسلمين ممن يتجنب أكل لحم الحيوان حتى المباح، لأنهم يظنون أن الرفق بالحيوان يقتضي أن لا تذبح حيواناً على الإطلاق! نقول هذا التسخير هو السر في السلطان الذي أعطاه الله تبارك وتعالى للإنسان، فبه يأكل الحيوانَ طِبق أحكام الله عز وجل.
ثم بعد ذلك الاستعمار، الاستعمار لا أقصد به هنا دخول القوات الأجنبية إلى البلاد الإسلامية، وسمَّوا ذلك استعماراً وهو احتلال في الحقيقة وإذلال، سموه استعماراً تزييناً للمصطلحات، كما سموا الربا فائدة، وأمثال هذه المصطلحات.. وهذا من علامات الساعة، الاستعمار هنا أصلاً مصطلح من مصطلحات القرآن الكريم، قال تبارك وتعالى في قصة سيدنا صالح: وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا.. [هود،61] و (استعمركم) أي: طلب منكم عمارة الأرض، يا ترى هل تكون عمارة الأرض بتخريب الأنهار؟! كما جرى لنهر بردى في دمشق؟ هل تكون عمارة الأرض بقطع الأشجار؟ هل تكون عمارة الأرض بإيذاء الحيوان؟ هل تكون عمارة الأرض ببناء البيوت في الغابات؟ هل تكون عمارة الأرض بإلقاء القمامة والمواد النجسة ومخلفات البيوت في الأراضي الزراعية؟ قطعاً لا.
فإذاً نعرف أن هذه أصول في القرآن الكريم تستنبط منها هذه الأحكام أحكام البيئة، أنا اختصرت لكم هذه القواعد أيها الإخوة اختصاراً يسيراً، والموضوع واسع، ولكن خطب الجمعة لا تتسع لمحاضرات ولا لدروس واسعة، وإنما القصد هو التنبيه أيها الإخوة، وأحب أن أختم الموضوع اليوم ببيان أخطار (البلاستيك) المواد اللدنة، هذا (البلاستيك) لم يعرفه آباؤنا ولا أجدادنا، وإنما صنع في العصور المتأخرة، وقد ثبت ضرره.
أضرار البلاستيك تدخل في كل باب من الأبواب، في الطعام والشراب والصغار والبيوت.. في كل باب من الأبواب، نأخذ مثالاً على ذلك لعب الأطفال والأواني البلاستيكية، لعب الأطفال تصنع غالباً من البلاستيك، وغالباً لا توضع عليها الرموز -وبخاصة اللعب الصينية- لا توضع عليها رموز المواد التي تصنع منها البلاستيك، يصنع من مخلفات البترول ويحتوي مواد سامة تؤذي عند اللمس، تؤذي عند الوضع في الفم، تؤدي عند التفاعل مع الهواء، التفاعل مع الهواء يسبب إنتاج غازات ومواد أخرى ومخلفات سامة في الهواء، حتى مثلاً في نباتات الزينة في البيوت، بعض الناس يظن أن وضع نباتات الزينة البلاستيكية في البيوت أمر جيد، لأنها لا تحتاج إلى رعاية وتسر النظر، لكنها تؤذي من طرق أخرى، ألعاب الأطفال البلاستيكية خطرة جداً، لأن الولد يأخذ اللعبة ويضعها في فمه، صحيح أنها لا تجرح لأنهم يتجنبون مثلاً المواد الجارحة والزوايا الحادة، ولكنها تؤذي باللمس، فإذا لمسها بيده تأثرت يده ببعض المواد ولصقت بها، ثم بعد ذلك يضع يده في فمه، ثم يأخذ اللعبة ويضعها في فمه وهي من المواد المسرطنة المسببة للسرطانات المتعددة. أما الأواني فشأن الأواني ربما كان واسعاً خطره شديداً والبلاء بها عاماً.
ولكن أيها الإخوة أنا أدعو إلى حملة للاستغناء عن الأكياس البلاستيكية، واللهِ هذا مما نتقرب به إلى الله تبارك وتعالى أيها الإخوة، وللأسف الشديد من المظاهر السيئة في دمشق الأكياس البلاستيكية، اجتمعتُ ببعض السواح في السويد من خمس عشرة سنة وهم عائلة نزلوا دمشق وبقوا فيها نحو عشرة أيام، فسألتهم كيف وجدتم دمشق؟ قالوا هناك ظاهرة سيئة جداً في دمشق، حيثما ذهبنا في كل مكان نرى الأكياس البلاستيكية! جاؤوا من السويد من بلدان اسكندنافيا، فيها عناية بالبيئة وفيها عناية بالنظافة بشكل واسع، صدمهم هذا المنظر في دمشق، فغلب على منظر الآثار ومنظر الجامع الأموي وغلب على كرم أهل دمشق.. وبقيت هذه الصورة السيئة، قال: حيثما ذهبنا نجد الأكياس البلاستيكية، حتى في الأرياف في المزارع في الغابات خارج دمشق.. حيثما ذهبنا وتوجهنا نرى الأكياس البلاستيكية معلقة بالنباتات!.
في بعض الإحصائيات قرأت: العالم يستهلك الآن خمسمئة مليار كيس بلاستيكي كل سنة، بالتقسيم يرجع هذا إلى مليون كيس بلاستيكي في كل دقيقة! ومعظم هذا يستهلك في دول العالم الثالث، يعدوننا من دول العالم الثالث.. من حيث الإيمان نحن من دول العالم الأول بفضل الله تبارك وتعالى، لكن من حيث النظام صرنا آخر الأمم، لو كان في عالم عاشر لكنا في العالم العاشر نأسف، مع أن الإسلام دين النظام، الإسلام دين الحضارة، الإسلام دين الأخلاق، وهذا يستطيعه كل واحد منا يا أخي ولو بكلفة ولو بليرة زائدة.
تعرفون أن البلاستيك كما يقولون يحتاج إلى ستمئة سنة إلى ألف سنة ليتحلل في التربة، ومع ذلك متى تحلل في التربة يسبب التسمم للتربة، فلا يمكن أن تُنبت بعد ذلك، وإذا أنبتت نباتاً كان ضاراً مسرطناً، الآن الطعام والشراب يوضع في أكياس من البلاستيك ونشربه ويتأثر ويتسمم، وبخاصة إذا وضعت الطعام في أواني بلاستيكية وسخنته بما يعرف بالمايكرويف، حتى إذا وضعته في المجمدة يتأذى الطعام ويتأثر بما يجاوره من المواد اللدنة البلاستيكية ويصير مسرطناً، اللبن نشتريه الآن بالآنية البلاستيكية، المشروبات نشتريها بالآنية البلاستيكية، الزيت نشتريه بالآنية البلاستيكية، أين الآنية؟ أين كوز الزيت؟ وأين نعارة اللبن؟ وأين آنية الحليب؟ صار الإنسان يستحيي أن يخرج من بيته ومعه آنية فارغة يعبئ فيها الزيت أو اللبن ثم يرجع إلى داره، لا ينبغي للإنسان أن يستحيي من ذلك إطلاقاً.
هذه بلادنا أيها الإخوة، الأرض أرضنا، والبلاد بلادنا، والهواء هواؤنا، الضرر يرجع إلينا، والخير يرجع إلينا، بل الضرر يرجع علينا وعلى أولادنا، فإذا كنت تستهتر بنفسك فلا تستهتر بأولادك، لأن أولادك من بعدك يرثون الأرض ويستنشقون هذا الهواء يأكلون من الطعام.. ينبغي أيها الإخوة أن نحافظ على الأرض، أن نحافظ على الجو والهواء، أن نحافظ على البيئة، واللهِ هذه مسؤولية دينية أمام الله تبارك وتعالى، ينبغي أن ننظر فيما ينفعنا ويضرنا في صحتنا وهوائنا وأولادنا.
لذلك أنا أدعو إلى حملة للاستغناء عن الأكياس البلاستيكية، واستبدال ذلك بالأكياس الورقية، وحملة للاستغناء عن الآنية البلاستيكية، واستعمال ما يبقى من الأواني وبخاصة من الخزف، إذا رجعتم إلى كتاب (قوت القلوب) لأبي طالب المكي من القرن الرابع الهجري كان يقول: كان السلف يفضلون الآنية من الخزف، لأنها ترجع إلى الأرض وتتحلل فيها، حتى نظرة البيئة كانت موجودة عند السلف وهؤلاء الصوفية الزهاد، كانوا يفضلون الآنية من الخرف لأنها ترجع إلى الأرض وتتحلل فيها.
هذا ما أحب أن أختم به أيها الإخوة، مبيناً أن حفظ البيئة واجب ديني إسلامي، وأن هذه الأحكام الشرعية التي نقرؤها في الصلاة والصيام والزكاة والمعاملات كالبيوع والربا مثلاً لها مثيلات من الأحكام الشرعية تتعلق بالضرر بالأرض والنبات والحيوان وأحكام استعمال الآنية وما يجوز استعماله وما لا يجوز، أسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما يعلمنا إنه سميع قريب مجيب والحمد لله رب العالمين.....
فالبيئة مشتقة في اللغة العربية من الباء والألف والألف، (باء – يبوء)
اليوم قلت عثرت على خطأ فتعالمت وراجعت الشيخ فقلت: سيدي أليس الجذر الثلاثي للبيئة: (باء) باء ألف همزة ؟
فقال لي الهمزة اصطلاح متأخر والعرب كانت تسمي الهمزة ألفاً وهذا ما كان عليه سيبويه.
رضي الله عنه ونفعنا به
الفقير معه ليسانس لغة عربية وما مرت معي هذه المعلومة!!!